توفيق أبو علم
165
السيدة نفيسة رضي الله عنها
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ « 1 » . وإذا ثبت هذا نقول : إنّ العبد إذا بلغ في الطاعة إلى حيث يفعل كلّ ما أمره اللَّه ، وكلّ ما فيه رضاه ، وترك كلّ ما نهى اللَّه وزجر عنه ، فكيف يبعد أن يفعل الربّ الرحيم الكريم مرّةً واحدةً ما يريده العبد ، بل هو أولى ؛ لأنّ العبد مع ضعفه وعجزه لمّا فعل كلّ ما يريده اللَّه ويأمر به ، فلأن يفعل الربّ الرحيم القدير به مرّةً واحدةً ما أراده العبد كان أولى ، ولهذا قال اللَّه تعالى : وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ « 2 » . ثانياً : على أنّه لو امتنع إظهار الكرامة ، لكان ذلك : إمّا لأنّ اللَّه تعالى ليس أهلًا لأن يفعل مثل هذا الفعل ، أولأنّ المؤمن ليس أهلًا لأن يعطيه اللَّه مثل هذه العطيّة . والأوّل قدح في قدرة اللَّه تعالى وهو كفر ، والثاني باطل ، فإنّ معرفة ذات اللَّه وصفاته وأفعاله ، وأحكامه وأسمائه ، ومحبّة اللَّه وطاعته ، والمواظبة على ذكره وتقديسه ، وتمجيده وتهليله ، أشرف من إعطاء رغيف واحد في مفازة ، أوتسخير حيّة أوأسد ، فلمّا أعطى المعرفة والمحبّة والذكر والشكر من غير سؤال ، فلأن يعطيه رغيفاً في مفازةٍ ، أويسخّر ما يسخّره أقرب ، ولا بُعد فيه . ثالثاً : وقد قال النبي صلى الله عليه وآله حكايةً عن ربّ العزّة : « ما تقرّب عبد إليَّ بمثل أداء ما افترضت عليه ، فلا يزال يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أُحبّه ، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ، ولساناً وقلباً ، ويداً ورِجْلًا ، بي يسمع وبي يبصر وبي ينطق وبي يمشي » « 3 » . وهذا الخبر يدلّ على أنّه لم يبق في سمعه نصيب لغير اللَّه تعالى ، ولا في بصره ، ولا في سائر أعضائه ، إذ لو بقي هناك نصيب لغير اللَّه جلّ شأنه لما قال : أنا سمعه وبصره ، فإذا
--> ( 1 ) سورة البقرة : 222 . ( 2 ) سورة البقرة : 40 . ( 3 ) أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء : ص 1 ، والبيهقي في السنن الكبرى : ج 3 ص 346 وج 10 ص 219 ، والزبيدي في الاتحاف ج 8 ص 477 وج 9 ص 569 ، والمتقي الهندي في الكنز : ج 1 ص 231 ح 1158 عن ابن السني في الطبّ ، وبمثله ح 1157 عن أحمد والحكيم وأبي نعيم في الطب و « ق » في الزهد وابن عساكر .